الذهبي
61
سير أعلام النبلاء
والأموال صرنا إلى هذا ؟ قال : يا بني دعوة مظلوم غفلنا عنها ، لم يغفل الله عنها . مات يحيى مسجونا بالرقة سنة تسعين ومئة عن سبعين سنة . فأما جعفر ، فكان من ملاح زمانه ، كان وسيما أبيض جميلا فصيحا مفوها ، أديبا ، عذب العبارة ، حاتمي السخاء ، وكان لعابا غارقا في لذات دنياه ، ولي نيابة دمشق ، فقدمها في سنة ثمانين ومئة ، فكان يستخلف عليها ، ويلازم هارون ، وكان يقول : إذا أقبلت الدنيا عليك ، فأعط ، فإنها لا تفنى ، وإذا أدبرت ، فأعط فإنها لا تبقى . قال ابن جرير ( 1 ) : هاجت العصبية بالشام ، وتفاقم الامر ، فاغتم الرشيد ، فعقد لجعفر ، وقال : إما أن تخرج أو أخرج ، فسار فقتل فيهم ، وهذبهم ، ولم يدع لهم رمحا ولا قوسا ، فهجم الامر ( 2 ) ، واستخلف على دمشق عيسى بن المعلى ، ورد ( 3 ) . قال الخطيب : كان جعفر عند الرشيد بحالة لم يشاركه فيها أحد ، وجوده أشهر من أن يذكر ، وكان من ذوي اللسن والبلاغة ، يقال : إنه وقع ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع ، ونظر في جميعها ، فلم يخرج شيئا ( 4 ) منها عن موجب الفقه . كان أبوه قد ضمه إلى القاضي أبي
--> ( 1 ) في " تاريخه " 8 / 262 . ( 2 ) يقال : هجم الشئ : سكن وأطرق ، قال ابن مقبل : حتى استبنت الهدى والبيد هاجمة * يخشعن في الآل غلفا أو يصلينا وفي " تاريخ الطبري " 8 / 262 : فعادوا إلى الامن والطمأنينة ، وأطفأ تلك النائرة ( 3 ) في " تاريخ الطبري " 8 / 263 : واستخلف على الشام عيسى بن العكي ، وانصرف . ( 4 ) في تاريخ بغداد : فلم يخرج شئ منها .